بقلم بيساخ بنسون • 5 أغسطس 2025
القدس، 5 أغسطس 2025 (TPS-IL) — في دراسة رائدة تجمع بين الفيزياء وعلم الأحياء، كشف باحثون عن السلوك الجماعي المعقد لأنواع بكتيرية مستمدة من بيئة طبيعية فريدة في شمال المكسيك. ولا يلقي هذا الاكتشاف الضوء على التنظيم الذاتي للميكروبات فحسب، بل قد يحمل أيضاً آثاراً أوسع لفهم الحركة الجماعية في الطبيعة — من أسراب الطيور إلى الأنظمة الروبوتية.
جمع فريق البحث، بقيادة البروفيسور جويل ستيفنز والدكتورة رينات أربيل-غورين من معهد وايزمان للعلوم، عينات ميكروبية من حوض كواترو سيينيغاس في كواهويلا بالمكسيك — وهي منطقة صحراوية تضم نظم بيئية ميكروبية نادرة يعتقد أنها تشبه بيئة الأرض قبل حوالي 700 مليون سنة. وقال البروفيسور ستيفنز، وهو فيزيائي متخصص في الأنظمة البيولوجية: “هذه المنطقة أسرتني لسنوات. ظروفها القاسية توفر نافذة على سلوك الميكروبات القديم”.
في المختبر، عمل الفريق مع عالمة الميكروبيولوجيا المكسيكية الدكتورة أوسكار غاياردو-نافارو لزراعة البكتيريا ودراستها. خلال بحثه لما بعد الدكتوراه، توصل غاياردو-نافارو إلى اكتشاف محير: بغض النظر عن مدى إتقانه لخلط مزارع البكتيريا، فإنها تنفصل تلقائياً إلى أنماط معقدة تحت المجهر.
وأشار إلى أن “الأمر لم يكن عشوائياً. بدا أن كل نوع ‘يرسم’ نمطاً فريداً — بعضها في أشكال سداسية، والبعض الآخر في أشكال حلزونية أو هياكل متدفقة”.
ووجد الباحثون أن هذه الأنماط اللافتة للنظر هي نتيجة لعملية فيزيائية تُعرف باسم “الحمل الحراري الحيوي”. الحمل الحراري الحيوي هو ظاهرة ديناميكا الموائع تحدث عندما تتحرك أعداد كبيرة من الكائنات الحية الدقيقة ذاتية الدفع — مثل البكتيريا أو الطحالب — في سائل، عادة استجابة لمؤثرات بيئية مثل الأكسجين أو الضوء.
وأوضح ستيفنز: “تسبح البكتيريا صعوداً نحو السطح بحثاً عن الأكسجين. ولكن لأنها أكثر كثافة من الماء، فإن الجاذبية تسحبها إلى الأسفل، مما يخلق نوعاً من تيار الحمل الحراري. إنها حلقة ديناميكية — دفع وسحب مستمر بين الجاذبية وحاجة البكتيريا للأكسجين”.
في حين أن الحمل الحراري الحيوي ليس مفهوماً جديداً، فإن الدراسة — التي نُشرت مؤخراً في مجلة Nature Communications العلمية المحكّمة — تكشف لأول مرة كيف تنتج أنواع البكتيريا المختلفة أنماطاً ذات أشكال فريدة. وقال ستيفنز: “حتى الآن، درست معظم الدراسات سلالات مزروعة في المختبر بشكل منفصل. لم ينظر أحد حقاً في كيفية سلوك الأنواع المختلفة من مجتمع طبيعي واحد عند وضعها معاً”.
أخذ الفريق بحثهم خطوة أخرى إلى الأمام عن طريق خلط أنواع بكتيرية مختلفة لمراقبة كيفية تفاعلها. ولدهشتهم، حافظت الأنواع على الفصل المكاني داخل البيئة المشتركة، حتى عندما تم خلطها جيداً مسبقاً. وتذكرت الدكتورة أربيل-غورين: “قمنا بتمييز كل نوع بعلامة فلورية مختلفة، متوقعين الفوضى. بدلاً من ذلك، رأينا أنماطاً مذهلة تشبه الكاليدوسكوب تتشكل — كل نوع بقي في مساحته الخاصة، مثل راقصين مصممين دون أن يتحدثوا إلى بعضهم البعض أبداً”.
خلص الفريق إلى أن هذا الفصل لم يكن ناتجاً عن انجذاب أو تنافر بيولوجي، ولا عن اختلافات في شكل الخلية. بل نشأ عن اختلافات دقيقة في سلوك السباحة.
وقال ستيفنز: “لكل نوع إيقاعه الخاص — سرعته المتوسطة وتردد دورانه. وكلما زاد الاختلاف في سمات الحركة هذه، أصبح الفصل المكاني أوضح”.
ولعل الأكثر إثارة للدهشة هو نطاق الظاهرة. وأكد ستيفنز: “نحن نتحدث عن حركة مجهرية — تحولات تبلغ حوالي ميكرونين. ومع ذلك، تتجلى هذه الاختلافات الصغيرة في أنماط مرئية بالعين المجردة، على مسافات أكبر بألف مرة”.
يحمل هذا الاكتشاف تطبيقات عملية واعدة في مجالات تتراوح من الهندسة الميكروبية إلى الروبوتات. في البيولوجيا التركيبية وعلم الأحياء الدقيقة الصناعي، يمكن أن يؤدي فهم كيفية تنظيم المجتمعات البكتيرية لنفسها إلى مفاعلات حيوية أكثر كفاءة وتجمعات ميكروبية مخصصة للتخمير، أو معالجة النفايات، أو إنتاج الوقود الحيوي. سريرياً، يمكن أن يفيد في استراتيجيات تعطيل الأغشية الحيوية الضارة أو توجيه تطوير أنظمة توصيل الأدوية المستهدفة التي تحاكي حركة البكتيريا عبر سوائل الجسم.
إلى جانب علم الأحياء، تقدم النتائج نموذجاً لروبوتات الأسراب، حيث يمكن للمهندسين تصميم وكلاء مستقلين — مثل الطائرات بدون طيار أو المركبات تحت المائية — لتنظيم أنفسهم والتكيف مع البيئات المعقدة دون تحكم مركزي، مثل البكتيريا في الدراسة.
وقال ستيفنز: “تُظهر لنا هذه النتائج أن الطبيعة لديها طرق لتنظيم نفسها بدأنا نفهمها للتو. وأحياناً، يتطلب الأمر مستنقعاً صحراوياً ومجهراً ليُظهر لنا مدى جمال الفيزياء”.


























