بالتساؤل عن عادات ورغبات يصعب مقاومتها، إلا أن أبحاثاً جديدة تشير إلى أن الدماغ قد يخون نفسه. اكتشف فريق من العلماء الإسرائيليين والأمريكيين أن خلايا "منظمة" معينة يمكنها دفع السيروتونين، وهو مادة كيميائية رئيسية للمزاج، إلى حالة مفرطة، مما يساعد في تفسير سبب خروج الوساوس أو السلوكيات المتكررة أو تقلبات المزاج المفاجئة عن السيطرة في حالات مثل اضطراب الوسواس القهري والاكتئاب.
ركزت الدراسة، بقيادة البروفيسور جوشوا غولدبرغ من الجامعة العبرية والبروفيسور جوشوا بلوتكين من جامعة ستوني بروك في نيويورك، على مجموعة صغيرة من خلايا الدماغ في الجسم المخطط تسمى الخلايا العصبية البينية الكولينية. كانت هذه الخلايا معروفة بالفعل بقدرتها على تحفيز الدوبامين، وهي مادة كيميائية تشير إلى المكافأة والتحفيز. عند إطلاق الدوبامين، فإنه يساعد الدماغ على التعرف على الإجراءات المهمة أو المجزية، مما يضبط التعلم والسلوك.
ووجدت الأبحاث الجديدة أن هذه الخلايا المنظمة نفسها يمكنها أيضاً تحفيز السيروتونين مباشرة، وهي مادة كيميائية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمزاج والقلق والسلوكيات القهرية. باستخدام أدوات بصرية وراثية متقدمة، تسمح بتشغيل وإيقاف الخلايا العصبية بالضوء، لاحظ العلماء أن تنشيط هذه الخلايا المنظمة تسبب في إطلاق ألياف السيروتونين القريبة لإشاراتها على الفور تقريباً.
في حالات الدماغ التي تشبه اضطراب الوسواس القهري (OCD)، وجد الباحثون أن هذه الخلايا الكولينية تنشط بشكل متكرر، مما يدفع إلى إطلاق مفرط للسيروتونين. وأوضح غولدبرغ وبلوتكين: "في حالات مثل اضطراب الوسواس القهري، حيث قد يكون الإشارات الكولينية مختلة وظيفياً، قد يخرج هذا التنسيق المفيد عادة عن السيطرة، مما قد يساعد في تفسير سبب صعوبة التوقف عن سلوكيات معينة".
تتحدى الدراسة فكرة أن الاضطرابات النفسية تنتج ببساطة عن وجود كمية كبيرة جداً أو قليلة جداً من مادة كيميائية واحدة. بدلاً من ذلك، تشير إلى أن نظام التنسيق الداخلي للدماغ يمكن أن يضخم الإشارات، مما يخلق تأثيرات متتالية تعطل السلوك الطبيعي. ويشير الباحثون إلى أن التغيرات في إشارات الأسيتيل كولين يمكن أن تؤدي إلى تغيرات موازية في كل من الدوبامين والسيروتونين، مما قد يساهم في اختلالات المواد الكيميائية التي تظهر في مجموعة متنوعة من الحالات العصبية والنفسية.
يمكن أن يؤدي هذا الاكتشاف إلى علاجات أكثر دقة للاضطرابات النفسية. من خلال استهداف نظام الأسيتيل كولين - المحفز الكيميائي الذي يدفع إطلاق السيروتونين - قد يطور الباحثون أدوية تعدل إشارات الدماغ بدقة أكبر من الأدوية الحالية، التي تركز فقط على السيروتونين أو الدوبامين.
إن فهم كيفية سلوك هذه الخلايا المنظمة لدى المرضى الأفراد يمكن أن يساعد الأطباء على التنبؤ بمن سيستجيب بشكل أفضل لعلاجات معينة، مما يفتح الباب أمام خطط علاج شخصية. قد تفيد النتائج أيضاً التدخلات السلوكية، مما يسمح للمعالجين بتوقيت التمارين أو استراتيجيات التأقلم لتتزامن مع الفترات التي تكون فيها هذه الخلايا الدماغية في أقصى نشاطها.
يعيش عشرات الملايين من الأشخاص في جميع أنحاء العالم مع حالات مرتبطة بالسيروتونين مثل اضطراب الوسواس القهري والاكتئاب، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية ودراسات الصحة العقلية.
وقال غولدبرغ: "هذا الاكتشاف يفتح آفاقاً جديدة حول كيفية تفاعل دوائر الدماغ للتأثير على السلوك والمزاج. يمكن أن يفيد في نهاية المطاف في أساليب علاج أكثر استهدافاً، تتجاوز مجرد محاولة تعديل مستويات السيروتونين وحدها".
نُشرت الدراسة في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) التي تخضع لمراجعة الأقران.

























