بقلم بيساش بنسون وعومر نوفوسيلسكي • 23 أبريل 2026
القدس، 23 أبريل 2026 (TPS-IL) — قد يكون لغز تفضيل الحياة لـ”يد” جزيئية واحدة على صورتها المرآتية أقرب إلى تفسير متجذر في الفيزياء الكمومية، وهو اكتشاف يمكن أن يؤثر في نهاية المطاف على كل شيء بدءًا من المستحضرات الصيدلانية وصولاً إلى الإلكترونيات من الجيل التالي.
تشير دراسة إسرائيلية جديدة إلى أن خاصية كمومية دقيقة للإلكترونات، تُعرف باسم “اللف المغزلي” (spin)، قد تساعد في تفسير سبب استخدام علم الأحياء باستمرار نسخة واحدة فقط من العديد من الجزيئات بدلاً من نظائرها المرآتية.
تأتي العديد من الجزيئات البيولوجية في شكلين مرآتيين، يُطلق عليهما المتصاوغات المرآتية (enantiomers). في الكيمياء القياسية، يجب أن يتصرف كلا الشكلين بنفس الطريقة ويظهرا بكميات متساوية. ولكن في الأنظمة الحية، هذا ليس هو الحال. الحياة تستخدم دائمًا نسخة واحدة فقط: الأحماض الأمينية عادة ما تكون “يسارية”، بينما السكريات “يمينية”. هذا النمط، المعروف باسم التماثل المرآتي (homochirality)، حير العلماء لأكثر من قرن.
وجد فريق من الباحثين الإسرائيليين بقيادة البروفيسور يوسي بالتييل من الجامعة العبرية في القدس أن الإجابة قد تكمن في كيفية انتقال الإلكترونات عبر هذه الجزيئات. تمتلك الإلكترونات خاصية تسمى اللف المغزلي، والتي تؤثر على كيفية تفاعلها مع المادة. وجدت الدراسة أنه عندما تمر الإلكترونات عبر جزيئات مرآتية، فإن لفها المغزلي يتصرف بشكل مختلف اعتمادًا على الشكل المرآتي الذي تواجهه.
نُشرت النتائج في مجلة “ساينس أدفانسز” (Science Advances) التي تخضع لمراجعة الأقران.
قال بالتييل لخدمة الصحافة الإسرائيلية: “الحياة متماثلة مرآتيًا. هذا ليس أمراً تافهاً، حيث أن الحصول على كلا الجزيئين المرآتيين في الكيمياء القياسية له نفس الفرصة. دراستنا تتساءل لماذا الطبيعة مرآتية وكيف يتم كسر التماثل. الورقة الحالية تقترح أن تفاعلات اللف المغزلي للإلكترونات قد تفسر كلا التأثيرين.”
اختلافات اللف المغزلي الدقيقة تحدث فرقاً
على الرغم من أن للشكلين المختلفين للجزيء نفس الطاقة في الظروف الثابتة، إلا أنهما لا يتصرفان بنفس الطريقة أثناء العمليات الديناميكية مثل نقل الإلكترون والتفاعلات الكيميائية. تظهر النتائج أن هذه الاختلافات يمكن أن تؤثر على كفاءة مشاركة كل شكل في التفاعلات التي تنطوي على الإلكترونات. على مدى فترات طويلة، يمكن أن تحدث حتى الاختلافات الصغيرة جداً في الكفاءة فرقاً. يقترح الباحثون أنه إذا كان شكل جزيئي واحد يؤدي باستمرار بشكل أفضل قليلاً في ظل هذه الظروف، فقد يصبح مهيمناً تدريجياً. هذا يمكن أن يساعد في تفسير كيف انتهى الأمر بعلم الأحياء بتفضيل “يد” واحدة من الجزيئات عبر جميع أشكال الحياة المعروفة.
تجمع النتائج بين العمل النظري والنتائج التجريبية وحسابات سلوك الإلكترونات في الأنظمة المرآتية. وتشير إلى دور لم يُقدر سابقاً للتأثيرات الكمومية في العمليات الأساسية لعلم الأحياء.
قال بالتييل لـ TPS-IL إن البحث “له تطبيقات في سوق الأدوية، والطاقة الخضراء، وتحسين الموصلات لصناعة الرقائق.”
في مجال المستحضرات الصيدلانية، يمكن للاكتشاف أن يساعد في تحسين كيفية تصميم الأدوية وإنتاجها. توجد العديد من الأدوية في شكلين مرآتيين، ولكن عادة ما يكون أحدهما فقط فعالاً في جسم الإنسان. إذا كان اللف المغزلي للإلكترونات يمكن أن يؤثر على الشكل الجزيئي الذي يصبح مهيمناً، فقد يصبح من الممكن إنتاج النسخة الصحيحة بكفاءة أكبر وبدقة أعلى.
في مجال الإلكترونيات وتكنولوجيا أشباه الموصلات، قد تساعد النتائج في معالجة أحد التحديات المتزايدة للصناعة: إدارة الحرارة في الرقائق التي أصبحت أصغر وأكثر قوة بشكل متزايد. تقترح الدراسة أن المواد المصممة بخصائص “مرآتية” متأثرة باللف المغزلي للإلكترونات يمكن أن تحسن كيفية التحكم في الحرارة والإشارات الكهربائية. قال بالتييل لـ TPS-IL إن هذه الفكرة قيد الاستكشاف تجارياً بالفعل، مشيراً إلى أن شركة ناشئة مرتبطة بالبحث تعمل على “طلاءات مرآتية ومعادن مرآتية تعالج إدارة الحرارة في صناعة أشباه الموصلات.”
في مجال الطاقة وعلوم المواد، يمكن للآلية أن تؤدي إلى طرق جديدة لتصميم مواد أكثر كفاءة للتفاعلات الكيميائية ونقل الطاقة. نظراً لأن التأثير مرتبط بكيفية انتقال الإلكترونات عبر المادة، فقد يساعد في تحسين المحفزات والمواد الموصلة المستخدمة في مجموعة من التقنيات، بما في ذلك أنظمة الطاقة الخضراء. وبشكل أوسع، يشير ذلك إلى تحول في النهج، حيث يمكن للعلماء تصميم المواد ليس فقط بناءً على التركيب الكيميائي ولكن أيضاً بناءً على كيفية تفاعل اللف المغزلي للإلكترونات مع الشكل الجزيئي.